محمد حسين الذهبي
8
التفسير والمفسرون
حدثت في الملة ، ولم يكن للعرب بها عهد من قبل ، فحاولوا أن يصلوا بينها وبين القرآن ، وأن يربطوا بين ما عندهم من قواعد ونظريات وبين ما في القرآن من أصول وأحكام وعقائد ، وتم لهم ذلك على اختلاف بينهم في الدوافع والحوافز على هذا العمل ، منهم من قصد خدمة هذه العلوم وترويجها على حساب القرآن ، ومنهم من أراد خدمة الدين وتفهم القرآن على ضوء هذه العلوم ، وأخيرا خرج هذا الفريق على الناس بتفاسير كثيرة ، فيها خير وشر ، وبينها تفاوت في المنهج ، واختلاف في طريقة الشرح ووسيلة البيان . وكان من وراء هؤلاء وهؤلاء فريق التحف الإسلام وتبطن الكفر ، يحمل بين فكيه لسانا مسلما ، وبين جنبيه قلبا كافرا مظلما ، يحرص كل الحرص على أن يطفئ نور الإسلام ويهدم عن المسلمين ، فلم يجد أعون له على هذا الغرض السيئ ، من أن يتناول القرآن بالتحريف والتبديل ، والتأويل الفاسد الذي لا يقوم على أساس من الدين ، ولا يستند إلى أصل من اللغة . ولا يرتكز على دليل من العقل . . . وأخيرا خرج هؤلاء أيضا على الناس بتأويلات فيها سخف ظاهر وكفر صريح ، خفى على عقول بعض الأغمار الجهلة ، ولكن لم يجد إلى قلوب عقلاء المسلمين سبيلا ، ولم يلق من نفوسهم رواجا ولا قبولا ، بل وكان منهم من أفرغ همه لدحض هذه التأويلات ، وأعمل لسانه وقلمه لإبطال هذه الشبهات ، فوقى اللّه بهم المسلمين من شر ، وحفظ بهم الإسلام من ضر ، فجزاهم اللّه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء . خلف لنا هؤلاء جميعا - مسلمون وأشباه مسلمين ، مبتدعون وغير مبتدعين ، كتبا كثيرة في تفسير القرآن الكريم ، كل كتاب منها يحمل طابع صاحبه ، ويتأثر بمذهب مؤلفه ، ويتلون باللون العلمي الذي يروج في العصر الذي ألف فيه ، ويغلب على غيره من النواحي العلمية لكاتبه ، وعنى المسلمون بدراسة بعض هذه الكتب ، وقل اهتمامهم ببعض آخر منها ، فأحببت أن أقدم